السيد عباس علي الموسوي

190

شرح نهج البلاغة

إني قد وعظتكم بما وعظ الأنبياء به أممهم فكل ما يقربهم من اللّه قد بينه لهم وكل ما يبعدهم عنه قد نهاهم عنه وضرب لهم الأمثال وقص عليهم قصص الأمم السالفة وبيّن لهم وجه الحق وأوصل إليهم كل أسرار الشريعة وأحكامها التي من عادة الأوصياء أن يوصلوها إلى من بعدهم من الناس وباعتباره وصي رسول اللّه وحامل سره ومستودع أمره لم يبخل على أصحابه وجميع المسلمين بل أوصل إليهم كلما أراد النبي وأحب إبلاغهم إياه . . . ثم إنه مارس معهم القوة فنثر سوطه وأدبهم به فلم يستقيموا على نهج الحق ولم يتركوا الباطل ووجهّ إليهم كل ما يزجر الإنسان ويكفّه عن الانحراف فلم يقبلوا منه ولم يجتمعوا على ما أمر وما أحب . . . ثم استفهم مستنكرا عليهم عدم قبول قوله قائلا لهم أتريدون إماما غيري تتوقعونه ليأخذ بأيديكم إلى منهاج الحق والعدل ويحملكم على الطريق المستقيم للشريعة والدين وهل هناك أهدى من الإمام وأعلم منه في إيصال الخلق إلى اللّه ولكنها القلوب التي طبع عليها فلم تسمع صوت الهداية ولم تر النور . . . ( ألا إنه قد أدبر من الدنيا ما كان مقبلا وأقبل منها ما كان مدبرا ) نعى الهدى والخير الذي كان مقبلا زمن رسول اللّه وأنذر بالشر والويل ما كان مدبرا زمن رسول اللّه . . . ( وأزمع الترحال عباد اللّه الأخيار وباعوا قليلا من الدنيا لا يبقى بكثير من الآخرة لا يفنى ) هذا بيان للقرار الذي يتخذه عباد اللّه الأخيار باستمرار ، إنه قرار السفر إلى اللّه والهجرة إليه ، فإن قلوبهم تبقى تتطلع إليه شوفا وحبا فهم دائما على سفر قد باعوا قليلا من الدنيا وهو هذا العمر القصير وما في الدنيا من متاع حقير بالآخرة الكثيرة في خيرها والتي لا تفنى أو تزول فهم عقلاء بل عقول العقلاء حيث نظروا إلى الأبقى والأنفع والأثمن فطلوبها وتركوا القليل الفاني الذي لا يبقى . . . ( ما ضر إخواننا الذين سفكت دماؤهم - وهم بصفين - ألا يكونوا اليوم أحياء يسيغون الغصص ويشربون الرنق قد - واللّه - لقوا اللّه فوفاهم أجورهم وأحلهم دار الأمن بعد خوفهم ) استشهد لهؤلاء الأخيار الذين ازمعوا الترحال بحال إخوانه الذين استشهدوا في صفين وإنه لم يضرهم الموت إنه لم يضرهم سفك دماؤهم فلو عاشوا إلى اليوم لرأوا المنكر ونظروا إلى تشتت الآراء واختلافها وعدم طاعتهم لولي الأمر . . لو بقوا لتجرعوا الغصص التي اتجرعها وشربوا كأس الصبر والمحن التي اشربها ولكنهم قدموا على اللّه شهداء صدق فوفاهم اللّه أجرهم الجنة بأحسن ما كانوا يعملون وأحلهم دار الأمن والدعة في الجنة بعد خوفهم منه في دار الدنيا ومن خاف اللّه في الدنيا أمنه يوم القيامة . . .